هزيمة الإمارات في ليبيا وانتصار تركيا

0

صالحة علام – الجزيرة

وكل ذلك الدعم غير المحدود من جانب الإمارات على كافة الأصعدة العسكرية والدبلوماسية والمالية، فشل حفتر في تحقيق المطلوب منه.

  • الهزيمة الثقيلة التي مُني بها خليفة حفتر مؤخرا في غرب العاصمة الليبية طرابلس- التي يحاول اقتحامها منذ ما يقرب من عام – وانهيار مليشياته في 8 مدن استراتيجية، خلال 7 ساعات فقط، على يد قوات حكومة الوفاق الوطني، كانت بمثابة مفاجأة من العيار الثقيل لأعوانه قبل أعدائه، نتيجة الدعم غير المحدود الذي يتلقاه حفتر ومليشياته من جانب عدد من الدول الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة.

ة من شركتي ” مكسيموس للشحن الجوي” التي يتردد أنها ملك محمد بن زايد، و”الخطوط الجوية جينس إير” المسجلة في كازاخستان، حيث تم تخصيص مطار بالقرب من مدينة بنغازي لتفريغ حمولاتها، التي تنقل منه برا بشاحنات لمعسكرات حفتر.

وتشمل تلك الشحنات مدفعيات، وأسلحة ثقيلة ومتوسطة المدى، والعديد من الذخائر وقطع الغيار، إلى جانب آليات قصف مدفعي بعيد المدي.

محمد بن زايد لم يكتف بما يقدمه لحفتر من دعم لوجستي وعسكري، بل قام بتشكيل ما أطلق عليه اسم “خلية ليبيا ” مهمتها الأساسية متابعة كافة تفاصيل الشأن الداخلي الليبي، والتطورات الحاصلة على الأرض هناك، بعد توقف دعم موسكو لحفتر فعليا عقب المباحثات مع أنقرة، أفضت إلى اتفاق الطرفين على أهمية نبذ الخلافات والتعاون بينهما في ليبيا مثلما هو الحال في سوريا.

 إلى جانب إطلاقه حملة دبلوماسية واسعة، بهدف خلق دعم دولي لحفتر، حتى ولو شفهيا أو ضمنيا، لمنحه نوعا من الشرعية التي يفتقدها، بما يتيح له الوقوف على قدم المساواة أمام حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من جانب المجتمع الدولي.

محمد بن زايد، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، وظف علاقات بلاده الدبلوماسية، وإمكاناتها المالية لجذب العديد من الدول، خاصة تلك التي تعاني من أزمات اقتصادية، وضمها إلى جبهة داعمي خليفة حفتر، وهو ما ساهم في زيادة اسمية لعدد الدول الداعمة للرجل من دون فعالية تذكر، كالأردن وسوريا. 

تونس والجزائر والإغراءات المالية الإماراتية

وعلى العكس من ذلك كان موقف دول المغرب العربي، فرغم الإغراءات المالية، والوعود التي أطلقها ولي عهد الامارات بدعم اقتصادها، وتوجيه الشركات الإماراتية للعمل هناك، أعلنت الجزائر وقوفها إلى جانب الشرعية، ودعمها المطلق لحكومة الوفاق الوطني، بينما حسم الرئيس التونسي موقفه، الذي بدا متأرجحا خلال الأشهر الماضية، حينما صرح بأن بلاده تقف هي الأخرى إلى جانب حكومة الوفاق بصفتها الممثل الوحيد للشعب الليبي.

موقفا تونس والجزائر جاءا بناءً على دراسة متأنية ودقيقة لتداعيات تفاقم الحرب في ليبيا عليهما باعتبارهما جارتين، وما يمكن أن تتحملاه من أعباء أمنية واقتصادية واجتماعية، لا قبللهما بها في ظل ظروفهما الراهنة.

حفتر ودوره في إفشال مخطط بن زايد

ورغم كل ذلك الدعم غير المحدود من جانب الإمارات على كافة الأصعدة العسكرية والدبلوماسية والمالية، فشل حفتر في تحقيق المطلوب منه، بل ونجحت قوات الوفاق الوطني في اقتناص انتصار حاسم عليه، وفي إلحاق هزيمة قاسية به وبعناصر مليشياته، وبالتالي إفشال مخطط محمد بن زايد.

الأمر الذي أدى إلى فرار عدد كبير من مقاتلي مليشياته، خوفا على حياتهم، بعد استحواذ قوات الوفاق الوطني على ترسانة أسلحة تحوي ذخيرة ومعدات عسكرية، إلى جانب الاستيلاء على 10 دبابات و6 آليات إماراتية مدرعة، وهو ما يعني عمليا تفكيك جزء لا يستهان به من حجم قواته، التي تعتمد في تركيبتها على عناصر من المرتزقة، الذين لا يدينون له بالولاء، ولا يدعمون أطماعه في السُلطة، كما لا يوجد لديهم  دوافع وطنية تجعلهم يصمدون في مواقعهم، وليست لديهم قضية حقيقية يدافعون عنها، ويضحون بأنفسهم من أجلها،  فهم في نهاية المطاف مجرد مرتزقة  يبحثون عن المال سواء كان ذلك بإرادتهم، أو عبر التحايل الذي تم عليهم من جانب روسيا في البداية ثم الإمارات بعدها.

انتصار حكومة الوفاق عبرة لمن يعتبر

 وبعيدا عن مخططات محمد بن زايد الرامية لحصار الثورات العربية، فالانتصارات التي حققتها قوات حكومة الوفاق الوطني، أبرزت عددا من الحقائق المهمة، التي يجب أخذها بعين الاعتبار، عبرة لمن يعتبر، سواء من داعمي حفتر أو الموالين له، ومنها:

1 – إن الاعتماد في حرب وطنية على عناصر مرتزقة ومليشيات مستأجرة لا يضمن الانتصار في المعركة مهما كان حجم الدعم العسكري، وقدرات هؤلاء القتالية واستعداداتهم التدريبية.

2 – نتيجة الاعتماد على عناصر قتالية غير وطنية، كان من الطبيعي ظهور عدم التنظيم واختفاء التنسيق بينهم في مختلف مناطق غرب طرابلس، وعدم وجود نقاط دفاع قوية بينهم يمكن الاعتماد عليه والاحتماء بها وقت الحاجة.

3 – فضح انتصار قوات الوفاق على مرتزقة حفتر خلال سبع ساعات فقط، غياب الدعم الشعبي للرجل الذي يريد حكم ليبيا، والتحدث باسم الشعب الليبي في المحافل الدولية، وهو ما بدا واضحا في حجم احتفالات سكان المدن التي انسحب منها، وطريقة استقبالهم لقوات الوفاق الوطني.

4 – قيام مرتزقة حفتر بالإعلان عن سيطرتهم على مدن تقع ضمن مناطق نفوذهم مثل رقدالين، والعجيلات، والجميل، يعني أن الرجل وقواته لا يعرفون على وجه التحديد مناطقهم، أو أين تتواجد مليشياتهم، التي لم يكن لها وجود فعلي داخل تلك المدن، ولا علاقة لها بها، لا من قريب ولا من بعيد.

5 – سيطرة قوات الوفاق الوطني على الشريط الساحلي غرب طرابلس بطول 170 كيلومترا، وبعمق يزيد عن 30 كيلومتر، خنق طيران حفتر، وأفقده نقطة تفوق رئيسية استغلها في معاركه السابقة، وزادت من عزلة قاعدة الواطية الجوية التي لايزال يسيطر عليها، الأمر الذي يعزل مليشياته في الجبل الغربي، ويحول بينهم وبين غرفة عملياتهم الرئيسية.

6 – استمرار خطة حفتر الدفاعية المرتكزة على استخدام الذخيرة بكثافة قد يعرضه لاستنزاف سريع لقدراته العسكرية، ويمنعه من مواصلة القتال بالقوة نفسها، في ظل إحجام سائقي الشاحنات عن نقل الذخيرة والسلاح لقواته بعد هيمنة طيران الوفاق على المجال الجوي للمنطقة، وسهولة استهداف الشاحنات المحملة بالوقود والسلاح.

7 – احتمالية تراجع الدعم المالي الاماراتي نتيجة انهيار أسعار النفط، وتكاليف مواجهة وباء كورونا، من شأنه تسريع مسألة انهيار خليفة حفتر، الذي لن يستطيع بمفرده الوفاء بالالتزامات المالية للمرتزقة الذين يقاتلون إلى جانبه، أو تأمين السلاح اللازم لاستمرار معاركه ضد الحكومة الشرعية.

إهدار أموال الإمارات بين فضح المخططات وفشلها

افتضاح مخطط محمد بن زايد لإشعال حرب في إدلب من أجل تشتيت تركيا، وإجبارها على التخلي عن دعم حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، مقابل ثلاثة مليارات دولار، لترك الساحة خالية أمام حفتر ومليشياته لم يأت بثماره المطلوبة، ولم تتخل أنقرة عن دعم حكومة الوفاق، بل وفشل حفتر في هزيمة الحكومة الليبية الشرعية، فهل يتوقف محمد بن زايد عن إهدار أموال الإمارات في مؤامرات فاشلة يحيكها ضد شعوب المنطقة هنا وهناك، والتي خرج من معظمها خالي الوفاض، ولم يحقق هدفه منها، وأضاع أموال شعب الإمارات هدرا، أم أنه لايزال يحمل في جعبته الكثير من المغامرات غير محسوبة العواقب التي سيُتحفنا بها إن عاجلا أو آجلا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.