رسالة مؤسسة عابد الجابري : استحقاق مغرب ما بعد كورونا “من أجل ميثاق وطني جديد”

0

تعيش البشرية منذ أزيد من نصف سنة حالة ذهول استثنائي أمام جائحة عالمية لا تفرق بين “مُستقوٍ” و”مستضعف” وبين “مهيمِن” و”مهيمَن عليه” وبين غير ذلك مما تصنف الأمم من خلاله. كما لم تستثن هذه الجائحة مجالا من الشلل ، مرسخة قاعدة وحدة المصير الإنساني، شئنا أم أبينا.


الرباط – تيفي24

تعيش البشرية منذ أزيد من نصف سنة حالة ذهول استثنائي أمام جائحة عالمية لا تفرق بين “مُستقوٍ” و”مستضعف” وبين “مهيمِن” و”مهيمَن عليه” وبين غير ذلك مما تصنف الأمم من خلاله. كما لم تستثن هذه الجائحة مجالا من الشلل ، مرسخة قاعدة وحدة المصير الإنساني، شئنا أم أبينا.

ولأنّ الحدث استثنائي بكل المقاييس، يجب استقراؤه بعمق، واستقراء المستقبل من خلاله خصوصا، حتى وإن كانت عناصر الجواب الضرورية في التحليل لم تجتمع بعد. فمصدر فيروس “كوفيد 19” وأسباب انتشاره ونهايته واحتمال ظهور أوبئة أخرى مستقبلا وماذا عن عالم الغد وما العمل ؟.. وأسئلة أخرى، لا زالت بدون جواب لحد الساعة. وحده سؤال المسؤولية – المعنوية على الأقل – يوفر أجوبة من شأنها أن تساعد على تناول الموضوع في محاولة لتحديد كيفية تأثر العالم بما يقع، وما هي الخطى الأولية لحجز مقعد ملائم لبلدنا فيه من الآن.

في هذا السياق وجب التذكير بأنّ تراكم انتهاكات متزايدة في العصر الأخير مهّد لعالم لا اعتبار فيه فوق اعتبار القوة والسيطرة والريادة، والربح والثروة والغريزة، تحت يافطة الغاية تبرر الوسيلة، حتى لو تحوّل الإنسان في خضم ذلك من أخ إلى ذئب لأخيه الإنسان؛ تشهد على ذلك مثلا الاختيارات الإستراتيجية الكبرى لاستثمارات ضخمة في صناعة الحروب المدمرة، المفضية إلى قتل ملايين الأبرياء من المدنيين العزل عبر العالم، بدل اجتثاث الهشاشة عموما وفي قطاعات اجتماعية شديدة الحساسية خصوصا، كمنظومات الصحة حتى في أعتى الدول! الكلام هنا عن النظام الاقتصادي الليبيرالي الجديد، نظام يستبيح الإنسان وحقوقه وكرامته وحياته، البيئة والأجيال المتعاقبة، القيم والأخلاق والمبادئ، والرأسمال البشري كله مما ليس قابلا للصرف المالي. هذا العالم تنكّر للأهم، تنكّر للإنسان، معتبرا إياه مجرد أداة إنتاج واستهلاك في نفس الآن.

أفلا تكون تفاعلات كورونا وإسقاطاتها قد أثبتت عدم أهلية منظومات هذه “قيمها” وهذه خيوط انتظامها لتكون أسوة يقتدى بها، لا قوة تقود العالم؟
من هنا يكون السؤال بالنسبة لنا: ماذا أعددنا، أو ماذا نُعد ل ” استحقاق مغرب ما بعد كورونا ” ؟ هي جائحة .. فليكن في طيها نعمة ..

إنّ من يتأمل بلادنا قبل وصول الفيروس إليها يدرك مدى التخبط الذي كنا فيه؛ متاعب حقيقية في الاقتصاد .. احتقان اجتماعي يبعث على القلق .. اختراق وتيه وضياع على المستوى الثقافي .. تراجع على مستوى الحقوق والحريات العامة .. تخبط سياسي ينذر بمخاطر ناجمة عن تفكيك الحياة السياسية وتمييعها.. تتابع الحراكات المنذرة بانفجار قد يباغت الجميع .. حيث كانت الآفاق تنسد يوما بعد آخر حتى جاء الوباء وخلق جوا جديدا نجمت عنه دينامية جديدة بمنطق آخر وأولويات أخرى ..
فهل تدخل جائحة كورونا في باب ” رب ضارة نافعة ” ؟

الشيء المؤكد هو أنّ أجواء التراجعات و الاحتقان الذي ميّز ما قبيل كورونا قد تراجعت عموما، لفائدة ذهنية وتقديرات وسلوكات ومشاعر إيجابية أخرى، في مقدمتها سلوكات التضامن الوطني ومشاعر المشاركة الوجدانية. ومما ساعد على تقدم هذه السلوكات والمشاعر عن غيرها وعلى تراجع أجواء التوتر، فضلا عن الأمر الواقع المرتبط بقدرية الوباء، الإجراءات التي اتخذتها مؤسسات الدولة وتعامل السلطات العمومية مع هذه الكارثة الداهمة؛ هذه الإجراءات -أيا كانت- نقائصها- تنِمّ عن الشعور بالمسؤولية وعن حد من الذكاء واليقظة وإدراك أهمية العمل الاستباقي في مواجهة الملمات.

فهل تحضر هذه الفطنة التي ساقها القدر في طريق كارثة “طارئة” فيتم تمثّل أهمية العمل الجماعي وفائدة مشاركة كل القوى الوطنية في مواجهة التحديات؟
هل يتم الانتباه إلى عمق الأزمة التي بلغتها بلادنا قبيل كورونا ، وأن نعتبر أننا أمام فرصة تبعدنا عن الخطر بُعيد كورونا؟

هذان استفهامان يسائلان الدولة ومؤسساتها في المقام الأول، ما في ذلك شك، لكنهما مطروحان على كل  القوى الوطنية  كذلك، لأنّ الجميع معني بمصير البلد وبمستقبله وهو الذي يتحمل (بالمعنى الآخر للتحمل) تبعات ما يتم اتخاذه من قرارات .. الجميع معني، كل حسب موقعه، مؤسسات ونخبا وأحزابا سياسية ومنظمات نقابية وجمعيات المجتمع المدني وعموم الشعب.

فما العمل؟ ومن أين البداية؟

إن ما يجري الآن يؤكد صحة نظرية كون النموذج التنموي البديل، هنا والآن .. ينبغي أن يرتكز بالضرورة على بناء “كتلة تاريخية” .. تتصدى لمهام إعادة بناء الدولة والمجتمع .. ومن هنا ينبغي أن تكون نقطة البداية ..

إنها الكتلة التاريخية التي تستطيع أن تشكل جوابا استثنائيا على وضعية استثنائية تعيشها الدولة والمجتمع. وهو الجواب الذي ينتظر مشاركة الجميع لبلورة معالمها ومشروعها.. إذا صدقت النيات وتوحدت الإرادات من أجل بناء ديموقراطية حقيقية تجعل الدولة في خدمة المجتمع؛ المجتمع المتضامن الخالي من الأمية والمرتكز على أولوية العلم والثقافة، والمحصن بإستراتيجية  قائمة على عدالة اجتماعية شاملة وبنيات تعليمية وصحية عمومية للجميع، ومؤسسات للبحث العلمي، وبناء اقتصاد إنتاجي في المجالات المختلفة، تضمن استقلاليتنا عن مراكز القرار الرأسمالي الدولي، وتكون صديقة للبيئة ومحافظة عليها، في إطار إستراتيجية تضامنية في السياق العربي والدولي لمواجهة قوى الهيمنة والتحكم ونهب الثروات.. وغيرها مما يتطلبه الأمر لبناء القدرة على مواجهة تحديات زمان ما بعد الجائحة.

ولعل أول خطوة يمكن ان تكون عربونا لإرادة سياسية جادة في فتح هذا الأفق، هي إقدام الدولة على تنقية الأجواء بالإقدام على إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الحراكات الشعبية لتمتين الثقة وتعزيز التضامن الوطني الذي تبلور مع جائحة كورونا.

هذه هي رسالتنا التي تشكل دعوة من أجل بناء بديل تاريخي لإنقاذ الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.